ليس كسائر الآحاد / وفاء البوعيسي (كاتبة ليبية مقيمة بهولندا)

img


الجسرة الثقافية الالكترونية ـ خاص ـ


 


في صبيحة ذلك الأحد الغائم بروتردام, المدينة المنذورة للمطر, التي حتى وإن بزغت فيها الشمس, فإن ذلك يتم بالتغاضي عن الرياح الدائمة الهبوب, رن جرس هاتف البيت, فتلعثمتُ بشدة لسماع صوت جاري السيد سخالكن, تلعثمت لأن السيد سخالكن عنّفني مرة بفظاظة, حين اشتكيت من لكنته الفلامندية القوية, وكنت بذات الوقت قد أخطأت بلفظ إحدى الكلمات الهولندية, فنطقتها بالإنجليزية, فما كان منه إلا أن كتب العبارة التالية على باب بيتي  :


ـ سيدتي الجميلة, أنتِ لن تتعلمي الهولندية مهما حاولتِ.


ليس معهوداً أبداً أن يتصل الهولنديون في الآحاد إلا بموعد مسبق, إنه سلوك طائش جداً ومشين, وكنت أعرف أن السيد سخالكن يعتقد بهذا أيضاً, لكنه كان قد اتصل يومها ليستنطقني حول فقدان بعض الأغراض من بيته, مع إنني لم أدخل بيته ولا مرة, فقط دعاني لاحتساء بعض البوظة المثلجة في حديقة المنزل, بمناسبة صدور روايتي الأخيرة, وكانت مناسبة ليسألني لماذا لا أكتب بالهولندية كي يقرأ لي, وحين قلت له إنني بهولندا منذ ثلاثة أعوام فقط, قال مستنكراً وقد امتقع لونه:


ـ كان يجب أن تتعلمي الهولندية قبل أن تأتي إلى هنا.


في ذلك الصباح المشتبه بالمطر كأغلب الصباحات بروتردام, حمل السيد سخالكن بعض التبغ الكوبي الفاخر بأصابعه, التي لها ملمس عازف قيثار, وحشى بها غليونه العاجي الفاخر وأشعل النار, وطفق يدخن بلذاذة واسترخاء في غرفة مكتبه, ثم خطر له أن يبحث عن مسودة مقالته التي نشرتها صحيفة تلخراف الهولندية, بعد ست سنوات كاملة من المحاولات, ليتأكد من أنها لم تحذف أو تعدل أي كلمة, وظل يعض بأسنانه على غليونه الفاخر, ويبحث بيديه الاثنتين وسط عاصفة الأوراق والمجلات عن المقالة اللعينة.


حرّك السيد سخالكن عدداً من الكتب جانباً, أزاح الألة الطابعة بعيداً, فتح عدداً من الملفات, ثم توقف فجأة حين انتبه أنه لم يلحظ منذ زمن بعيد, دفتر ملاحظاته الذي دوّن فيه أفكاره لعدد 28 خاطرة, خلال عمله بالبورتوريكو سنة 1987, فاستشاط غاضباً وراح يقلّب كل ما هو أمامه, يبعثره, ينفضه, يفتحه على مصراعيه ويدقق فيه, ثم يتركه كمجنون, لينتقل إلى غيره.


قام وفتش في الجوارير, وعلى الأرفف, وفي سلة المهملات, أزاح المكتبة الضخمة بصعوبة بالغة رغم آلام ظهره لينظر خلفها, ثم قلب المقاعد وحشر نفسه تحت طاولة التلفزيون وعندما لم يعثر عليه, صرخ بهستيرية منادياً زوجته, وحالما دخلت باغتها صارخاً:


ـ لقد فقدتُ للتو دفتر ملاحظاتي لعدد 28 خاطرة, كنتُ أحفظه هنا من سنة 1987.


ـ لا أحد يدخل مكتبك غيري, وأنا لا ألمس شيئاً إلا لتنظيفه من الغبار وإعادته لمكانه.


ـ أنتِ ترهقينني, مليون مرة سألتك ألا تدخلي إلى هنا.


ـ لكنك تمنع الخادمة من تنظيف مكتبك, ثم تصرخ بوجهي لأهتم بنظافته.


ـ أنظري ماذا حدث الآن, لقد أضعتِ دفتر ملاحظاتي لسنة 1987.


ـ إنسه, أبحث عن دفتر ملاحظاتك لسنة 1988.


ـ كلا, لابد من دفتر ملاحظات سنة 1987.


ـ لا أعرف أين هو.


فجأة صرخ كممسوس:


ـ هل تبرعتِ به للصليب الأحمر مؤخراً؟


ـ لا أتبرع إلا بما تضعه لي أنت بالكرتونة وأنا لا أفتش وراءك.


ـ اتصلي بأمي واسأليها, نادي على الخدم ليأتوا إلى هنا, أريد دفتر ملاحظاتي لسنة 1987.


بعد ساعة تقريباً, كان البواب والبوستنجي يقفون في صف مع الخادمة, يتعرضون لإستنطاق مطوّل ودقيق من السيد سخالكن, حول عدد مرات اقترابهم من غرفة مكتبه, وكانت أمه المسنة تنتظر دورها كي تخبره أنها قد فقدت بصرها منذ سنوات, لذا فهي لا تعرف شيئاً عن دفتر ملاحظاته لسنة 1987, وأنه ربما من المجدي أن يشرع في تذكر تلك الخواطر لأنها فرصة لتنشيط ذاكرته واستدعاء أجواء وذكريات البورتوريكو, لكنه صرخ بها أنه مهما عصر دماغه فلن يكون بوسعه تذكر أكثر من إحدى عشر خاطرة, وأنه يجب أن يتذكر تلك الخواطر بالذات, لأنها تعني له كل شيء عن عمله بالبورتوريكو, وأنه لن يسمح بأن تختفي الأشياء هكذا, بسبب إهمال مَن حولَه.


تحركت الخادمة تبحث بكل مكان, وذهب البوستانجي للبحث عن دفتر ملاحظات السيد سخالكن ببرميل الأعشاب الجافة, في حين تسللت أمه على عكازها للبحث بغرفة التوأمين جولييت ومارييت اللتان تركتا البيت من ثلاث سنوات, وتوجهت زوجته للثلاجة بناءً على طلبه, حين اتهمها أنها تقضي معظم حياتها بالمطبخ, ولابد أنها حملته معها ذات مرة ونسيته هناك, أما هو فشرع يبحث عن دفتر التليفون ليتصل بأصدقائه ويسألهم متى شاهدوا دفتر ملاحظاته لسنة 1987 آخر مرة .


دقت الساعة الثالثة ظهراً بمنزل السيد سخالكن بتلك الظهيرة, حين كان قد انتهى من الاتصال بآخر صديق له لم يره مذ كان يعمل بلشبونة سنة 1975, ثم شرع يبحث عن رقم صحيفة تلخراف, ليتأكد أنه لم يرسل لهم دفتر ملاحظاته لسنة 1987 مع المقالة بالخطأ, مقرراً أن يترك ملاحظته على المجيب الآلي, لكنه انتفض فجأة وهو يتذكر أنه لم يرَ مسودة المقالة الأخيرة مذ أرسلها للصحيفة السبت الماضي, فهب يبحث عنها بكل أكوام الورق المبعثرة على الأرض, وبالأرفف, وبالجوارير, وبين طيات الكتب, ثم صرخ بزوجته من جديد, وحين وقفت أمامه لاهثة متعرقة للمرة الثانية في ذلك اليوم, بادرها بسهتيرية:


ـ ما إن تبحثي عن شيء حتى تضيعين آخر.


ـ ماذا أضعتُ هذه المرة؟


ـ مسودة مقالتي الأسبوعية.


ـ رباه هذا كثير.


ـ اذهبي وابحثي عنها في مريلة المطبخ ريثما أبحث أنا هنا وسط هذا الجبل من الأوراق.


ـ ولماذا مريلة المطبخ؟


ـ أنتِ ترتدينها والخادمة أيضاً, لعلها وصلت إلى هناك, من يدري فأنت كثيرة الحركة في هذا البيت.


ـ ودفتر ملاحظاتك لسنة 1987؟


ـ اتركيه الآن وفتشي عن مقالتي, أريد أن أتأكد أنها مطابقة للمقالة المنشورة بالصحيفة, واستدعي الخادمة ونادي على البوستنجي أعرف أنه أحمق ويرمي بكل ورقة تطير في الحديقة, واتصلي بأمي.


ـ أمك هنا منذ الصباح.


ـ حسناً سأسألها اذهبي أنتِ الآن ولا تفقديني صوابي, أنتِ تشتتينني.


ولما غادرت دق الجرس بجواره ليستنطق الخدم, وحين شعر بألم بين حاجبيه, وأشتهى تبغه الكوبي الرائع, فالتفت يبحث عن العلبة يفتش عنها كمجنون, وحين لم يجدها صرخ منادياً على الجميع, وطلب الاتصال بالتوأمين جولييت ومارييت.