بذور الشر

img

*بروين حبيب 

لا موضوع يسيطر على الناس، غير موضوع فيروس كورونا، الذي اكتسح العالم منبثقا من الصين، حتى أن فضائيات كثيرة تشاءمت من الرقم عشرين، وعرضت شريطا تستعرض فيه الكوارث التي ضربت البشــــرية في الســـنة العشرين من كل قرن، شيء يحب أن يصدقه العوام، تماما مثل الأخبار التي انتشرت حول غرابة سلامة إسرائيل وأمريكا من هذا الفيروس، ترجيحا لفكرة أنهما خلف صناعته، أو تعديله جينيا، ونشره لضرب الصين والعالم…
أخبار كثيرة، شارك كتاب وإعلاميون في نشرها، بخلفية معرفية أو بغيرها، لامست تماما عمقنا كشريحة بشرية واسعة، لا تزال تسلم أمرها للغيبيات في أمور محسومة علميا، ولا تريد معرفة الخطوات الوقائية، بقدر ما تريد إشباع دور الضحية الذي نحب تأديته بإتقان.
ومما لفت نظري من كم المقالات التي قرأتها حول فيروس كورونا، تلك التي أعادتنا مرة أخرى إلى مسلسل «ذي سيمبسنز» الذي لا ينفك يتنبأ بأمور تحدث في عالمنا، رغم أنها لا تصدق في حينها، فحتى فيروس كورونا تنبأ به!
المسلسل الأمريكي الذي يحبه الأمريكيون، والذي تجاوز الستمئة وستين حلقة، يزداد انتشارا مع كل كارثة تحل بالبشرية، حتى أن فئة عريضة من المتابعين العرب لهذا المسلسل أصبحت تجد في الأمر ما يجذبها أكثر إليه. لكن موضوع التنبؤات هذا غير مقتصر على هذا المسلسل، فقد سبق أن تحدثت في مقالات سابقة عن الرؤية الأدبية الحادة لكتّاب رأوا ما سيؤول إليه العالم ببصيرتهم العميقة، ولن نذهب بعيدا، فقد تنبأت الكاتبة غادة السمان في بداية مشوارها الأدبي في روايتها «بيروت 75 « ليس فقط بالحرب اللبنانية، التي انفجرت في السنة نفسها، وارتبطت بها إلى الأبد، بل رسمت صورة للبنان على مدى خمس وأربعين سنة، كونها تجاوزت رؤية قطع الليغو المنهارة قطعة بعد قطعة، لبلد كنا جميعنا نراه سويسرا الشرق، وإن كانت هناك رواية تستحق القراءة عدة مرات لفهم الحالة اللبنانية فهي هذه الرواية بالذات. وأعتقد أن الكاتبة في عمرها الباكر ذاك، لم تكن تملك «عرّافتها الخاصة» كما ورد في بعض حواراتها، في تلميح للنبوءة كنبوءة، بل لكونها تملك طاقة الاستقراء، ودقة الملاحظة، والشجاعة الكافية لقول ما لا يريد أحد أن يسمعه آنذاك.
واجهت «الغادة» جمهورا عربيا رافضا لفكرة بيروت، المدينة التي تأكل أبناءها، لكن بعد أشهر عدة انقلبت الموازين كلها لصالحها، وأصبحت الرواية علامة أدبية فريدة من نوعها، نالت بها جوائز عالمية، وقفزت بها خارج أسوار المحلية العربية، التي تقرأ النص النسائي بعيون مستخفة بالمحتوى الجمالي والإنساني له. نحن لا نتحدّث هنا عن روايات من الخيال العلمي، أو ما شابه، بل نتحدث عن نصوص أدبية، غالبا ما تكون لكُتّاب يرون واقعهم بعيون مختلفة، ويكتبونه بوجهة نظرهم المناقضة للسائد، تماما مثل موجة التشكيليين، الذين كسروا قواعد المدارس الكلاسيكية، فأعطوا الحرية لأناملهم لتشكيل العالم حسب معطيات فنية غير مقبولة في حينها، لكنها كشفت قوة الرؤية في طرحهم الفني، فبلغوا المجد متأخرين، سيزان أحد تلك الرموز، حين رأى العالم على شكل مكعبات مبنية بهندسة فريدة من نوعها، هل يمكن للمكعب أن يمثل شجرة؟ أو نهرا أو بحيرة؟ صعب على الجمهور الواقعي آنذاك أن يرى هندسة الأشياء، لكننا اليوم نعرف أن حبة الملح لها شكل هندسي بديع جدا، وندف الثلج ساحرة في تركيبتها الميكروسكوبية، وكذلك قطرة الماء، وشكل البذرة التي تعطي شجرة، كل شيء حولنا يخفي أشكاله الخفية، وكل شيء له سطوح مختلفة، هكذا اتسعت الرؤية، لكن قبل اتساعها بهذا الشكل، كان المبدع وحده يرسم خطوطه، ويفصح عن مقولاته بشجاعة، لأنه يدرك سلفا أن تخطي المألوف يقوم به المغامرون فقط.

لم يعرف ألكسندر بوشكين مثلا أنه كتب نهايته بحذافيرها حين وصف في الفصل السادس من روايته الشعرية «يفغيني أونيغين» مقتل بطله الشاعر «لنسكي» في مبارزة للدفاع عن شرفه، مع رجل حاول التقرب من حبيبته، إذ بعد أحد عشر عاما بالضبط، وقف بوشكين تلك الوقفة في مبارزة البارون جورج شارل دي هيكيران دانتاس، الذي تودد لزوجته، ولقي مصرعه مثل بطله. هذا لم يحدث لبوشكين فقط، إذ يُحكى عن الشاعر الفرنسي أندريه برتون، أنه في قصيدته «عباد الشمس» التي كتبها عام 1923 إذ وصفت بالضبط لقاءه مع زوجته المستقبلية جاكلين لامبا، الذي تحقق بعد أحد عشر عاما، في الشارع نفسه الذي ذكره في قصيدته، بل حتى زوجته كأنها خرجت من القصيدة نفسها بكل تفاصيلها وليس من عمق الحياة. الذي يصدمنا أكثر كما ورد في مقال قرأته مؤخرا، هو ظاهرة الرسام والنحات الروماني فيكتور برونر، الذي رسم وجهه مفقوء العينين، أو بعين نازفة في لوحات كثيرة، إلى أن صادف ذات يوم أن دخل في شجار مع أحدهم فَقَدَ على إثره واحدة من عينيه، فتطابقت لوحاته مع فنّه بشكل دراماتيكي غريب هو الوحيد الذي توقعه بدون أن يفهم السر.
هذا لا شيء أمام أوبئة مرعبة نالت حصتها من الأدب، سواء بالتأريخ لها بإعادة صياغتها بجماليات اللغة، أو برصدها فنيا كحالة متوقعة، مثل «الطاعون» لألبير كامو (1947)، أو «الحب في زمن الكوليرا» (1985)، فقد وجد المجاز ما يأخذه من كوارث الطبيعة والإنسان ليشكل نفسه. فبعد سنوات من انتشار رواية ماركيز، وإلى تاريخ قريب من أواخر القرن الماضي، انتشرت الكوليرا نفسها، وحصدت عشرات الآلاف من البشر، في أمريكا الجنوبية، لكن الوباء المحصور في النشرات الإخبارية كخبر عابر، لم يكن بحجم الهول الذي أحدثه فيروس كورونا، ذلك أن الأزمنة تختلف حتى في تقديم الكارثة، في زمن شبكات التواصل الاجتماعي، يقفز الخبر بالصورة والصوت من وإلى أقطاب الكرة الأرضية في رمشة عين، هذا غير التغيرات المخيفة للخريطة البشرية بسبب الحروب، ما فتح الباب واسعا لاتساع أي كارثة، وتعدد قراءاتها، حتى أننا نتساءل هل هذه الصدف مجرّد تقاطعات لابد منها بين المتخيل والواقع، كون ما حدث ويحدث متكررا بشكل ما، أم أن الأمر يتعلّق بحواس عالية القدرة يمتلكها المبدعون ولا يمتلكها غيرهم.
وأيًّا كانت التفسيرات المطروحة، فإن أفلاطون كما قال كثيرون كان مخطئا في طرد الشعراء من مدينته ـ لأنه جعلها مدينة منتهية. عكس الملاحم الأدبية اليونانية التي كشفت عن عظمة الرحمة الإنسانية كلما ضربت الكوارث هذا العالم. وكيفما اختلفت الأسماء، كورونا، كوليرا، طاعون، أو أي فيروس جديد متطور، فإنه العدو الوحيد الذي يهزم الشر في الإنسان. تعود إلى ذاكرتنا قصة أوديب لسوفوكليس، فتقفز أمامنا كل الخطايا المميتة التي نرتكبها عن قصد أو غير قصد، وبدون أن نحتاج إلى كثير تفكير، ونحن نًقَلِّب في كل الترتيبات التي خططنا لها، نقف وجها لوجه أمام صنيعنا الشنيع، لحظتها وحدها الكارثة الربانية تنقذنا من بشاعة أنفسنا، تتقدم كموجة عملاقة وتسحقنا من كل الجهات، تغسلنا حتى الأعماق، وتجرف شرورنا بعيدا عنا لبرهة من الزمن.
أليس هذا ما يحدث اليوم؟ أليس هذا ما تخترعه المخيلة المبدعة لتذكيرنا بهشاشة الإنسان حتى حين تكون السلطة في يده، أليست ترى ما نستحقه حين تنبت في داخلنا بذور الشر، حتى يصعب إيقاف نموها؟

*المصدر: القدس العربي.



 

مقالات ذات صلة

No article found