ريلكه وسينوغرافيا الشرق

img

*صبحي حديدي 

 

في كتابه «سينوغرافيات الإدراك: الحسّية عند هيغل ونوفاليس وريلكه وبروست»، الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية عن منشورات ليجند في كيمبرج؛ يساجل كريستيان جاني بأنّ الإدراك والسرد الأدبي ليسا على تعارض، كما يسود الاعتقاد. وهو يتحدى هذا الظنّ عن طريق تحويل الانتباه إلى العلاقات المتبادلة بين السيرورات الإدراكية والسردية، والتركيز على المشهدية المرئية وأدوار الحواسّ في الإبصار والتسجيل (في قصائد الألماني راينر ماريا ريلكه مثلاً)، ثمّ التخيّل السمعي أحياناً (خاصة عند الروائي الفرنسي مارسيل بروست) وما إلى ذلك من تفاعلات القراءة.
ليس غرض هذه السطور مراجعة كتاب جاني، الذي يستحق وقفة مسهبة في مقام آخر بالطبع، ولكنها مدعاة استعادة واحدة من الخصائص الخافية في شعر ريلكه تحديداً؛ أي الجوانب الاستشراقية، ونظراته إلى الشرق عموماً، والعالم العربي على وجه الخصوص. ورالف فريدمان، مؤلف «حياة شاعر: راينر ماريا ريلكه»، الذي صدر في نيويورك سنة 1996 ويُعدّ بين أفضل الأعمال في سيرة الشاعر الألماني، سعى إلى تحقيق وظيفتَين شاقّتَين في آن معاً: كتابة سيرة الشاعر الحياتية، وكتابة سيرته الشعرية أيضاً. لكنه لا يملك مؤشّرات قاطعة حول الدافع، أو الدوافع، التي جعلت ريلكه يقوم برحلة مفاجئة، ويتيمة، إلى الجزائر وتونس ومصر خريف 1910 ــ 1911. معروف، في المقابل، أنّ الشاعر كان يعيش أزمة كتابة، أو احتباس كتابة في الواقع، بعد أن أصابه العمل على واحد من أفضل آثاره، «هوامش مالته لوريدز بريغه»، بالإنهاك الشديد. معروفة، كذلك، رحلة صديقه النحّات الفرنسي أوغست رودان إلى مصر، سنة 1907، وكيف حرّكت أشواقه إلى القيام بتجربة مماثلة. ونعرف، ثالثاً، أنّ زوجته كلارا بعثت إليه بنسخة من ترجمة «ألف ليلة وليلة»، فشدّته مناخاتها الشرقية.

وهكذا، في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1910، وبفضل منحة مالية من جيني أولتيرسدورف، وكانت امرأة ثرية متزوجة من تاجر فراء؛ غادر ريلكه ميناء مرسيليا الفرنسي متوجهاً إلى شمال أفريقيا ومصر، أو «إلى الشرق، حيث ينبغي توسيع الحلم» كما سيكتب بعدئذ. وفي كلّ حال كان على يقين، غامض تماماً في الواقع، من أنّ استكشاف الشرق سوف يشكّل نقلة نوعية في حياته الشخصية والإبداعية على حدّ سواء. وهكذا كتب إلى الروائي الفرنسي أندريه جيد، بحماس بالغ وروحيّة ترقّب غير مألوفة لديه، يرجوه النصح والإرشاد والعون في تنفيذ مغامرته الشرقية هذه (ردّ جيد لم يكن أقلّ حماساً، بل كتب إلى ريلكه يقول إنه يحسده على رحلة كهذه). كذلك راسل ريلكه عدداً من أصدقائه الأثرياء، طالباً مَدّه بالدعم المالي، ومشدّداً على أهمية هذه الرحلة في الطور الراهن من حياته الروحية والإبداعية والفكرية.
والرحلة رفعت الكثير من معنوياته الهابطة بالفعل، وأعادت إليه توقه الدائم للملذّات وللحياة إجمالاً، ولكنها لم تكن في نهاية الأمر أكثر من فصل استيهامي آخر بين المشاهد الإيروتيكية التي استهوته في «ألف ليلة وليلة». في الجزائر صعقه «الواقع المادّي الحاضر دائماً بشكل جديد ولانهائي»، رغم أنه جال في المكان وهو يعاني ـمن قصور رؤية البلد على حقيقته. وفي تونس مرّ على خرائب قرطاج قبل أن يصل إلى العاصمة، فلاح له أنّ البلد أكثر أمانة لمناخات «ألف ليلة وليلة» من الجزائر، بل اعتبر أنها «شرقية حقاً»… هو الذي لم يعرف الشرق إلا من خلال فلوبير ونرفال وحكايات شهرزاد! وفي رسالة إلى زوجته كلارا، وعلى سبيل وصف انطباعاته عن مدينة القيروان الإسلامية العريقة، كتب يقول: «في الأسواق تقع أحياناً برهة خاطفة يستطع فيها المرء أنّ يتخيل عيد الميلاد: المنصّات الصغيرة ممتلئة بأشياء ملوّنة، والأقمشة وافرة ومدهشة، والذهب يلمع جذّاباً، وكأنّ المرء سوف يتلقّاه هديّة غداً. ألف ليلة وليلة تحوّل كلّ ما اعتقد المرء أنه أمل ورغبة وإثارة، ويصبح عيد الميلاد غير عصيّ على المخيّلة في نهاية الأمر».
ومن الواضح تماماً أنّ ريلكه لم يبذل أيّ جهد للنظر إلى أجواء الأسواق بما هي عليها، وبما يمكن أن توحي به لمخيّلة لامعة ونشطة ومرهفة، قادرة على التوغّل العميق في باطن الأشياء قبل ظاهرها. المشهد، بذلك، لا يتأسس اعتماداً على معطياته البصرية الخاصّة به، وإنما على الصُوَر التي يستعيدها ريلكه من باطن التنميطات المستقرّة في وعيه الغربي، ومن العمل الوحيد الذي يشكّل دليله إلى الشرق: «ألف ليلة وليلة». لافت أيضاً أنّ السوق يبدو طافحاً بالأشياء المادية (وخصوصاً الذهب الذي يتوق ريلكه إلى امتلاكه!)؛ ولكنه يظلّ خالياً تماماً من العناصر الإنسانية، الأمر الذي يدهشنا حقاً إذْ يصدر عن شاعر خاض طويلاً وعميقاً في غمار النفس البشرية. ويبقى أنّ استذكار عيد الميلاد في هذه الأرض الإسلامية لا يخلو من دلالة مسيحية صرفة، خصوصاً وأنّ ريلكه كان في ذلك الطور من حياته ما يزال متأثراً بالأجواء الصوفية/ المسيحية، التي دفعته إلى كتابة سلسلة قصائد «رؤى المسيح».
على نقيض ما يذهب إليه جاني في كتابه الجديد، بالطبع؛ حيث لا تنفع ستراتيجيات الربط بين الإدراك والسرد أمام… سطوة الاستشراق!
 

*المصدر: القدس العربي 

مقالات ذات صلة

No article found