كتاب الحيوان سبق أصل الأنواع بألف عام

img

*علي قاسم

 

إذا كان تشارلز داروين قد تحدث عن التطور باعتباره آلية لظهور أنواع مختلفة من أصل واحد، في القرن التاسع عشر، فإن الجاحظ في كتابه الحيوان، الصادر في القرن التاسع ميلادي، قد سبقه إلى طرح الفكرة نفسها بتأكيده أن البقاء في المملكة الحيوانية للأقوى والأصلح.

 

ويقول تقرير نشرته شبكة “بي.بي.سي”، ضمن سلسلة حملت اسم “الإسلام والعلوم” إن أول من استخدم عبارة “الانتقاء الطبيعي” التي ارتبطت بعالم الطبيعة الإنجليزي تشارلز داروين في كتابه الشهير “أصل الأنواع”، هو الفيلسوف المسلم العراقي أبوعثمان عمرو بن بحر الكناني البصري، المكنّى بالجاحظ، في كتابه الحيوان.

 

هربا من الحساد

شاءت الأقدار أن يولد الجاحظ في مدينة البصرة عام 776 م، وأن يعيش حياته ويكتب في أوج العصر العباسي وازدهار نفوذ المعتزلة، الذين نادوا بإعمال العقل وتشجيع الفكر الإنساني.

 

كانت البصرة حينها مسرحا لنقاشات علمية وفلسفية ومركزا تجاريّا تعبر منه القوافل القادمة من الصين. ومن بين السلع كان الورق، الذي ساعد على نشر المخطوطات وشجّع على الكتابة، والترجمة والنقل عن اليونانية. كل ذلك ساهم في تشكيل فكر الجاحظ، الذي تعددت اهتماماته لتشمل العلوم والجغرافيا والفلسفة والأدب.

 

كانت ولادة الجاحظ زمن خلافة عبدالله محمد المهدي، ثالث الخلفاء العباسيين. وكانت وفاته في خلافة المهتدي بالله، فعاصر بذلك 12 خليفة عباسيا، من بينهم هارون الرشيد والأمين والمأمون، وعاش القرن الذي كانت فيه الثقافة العربية في ذروة ازدهارها.

 

توفي والده وهو حديث السنّ، فاضطر أن يعمل ليحصل على قوت يومه، فكان يبيع السمك والخبز. وفي الوقت نفسه يجالس العلماء. ويتردد على حوانيت الورّاقين. يقرأ ما صدر من مؤلفات وما ترجم من الكتب اليونانية إلى العربية، حتى إذا أعجبه الكتاب كان يدفع لصاحب المكتبة مبلغا من المال، ليسمح له بالمبيت في المكتبة يدرس ويطالع.

 

ولما كبر سنه واشتد ساعده وكبرت مطامعه قصد بغداد، ليستمع إلى علمائها ويزور كبار رجال الدين واللغة في منازلهم أو في المساجد، فكان يؤلف الكتب وينسب ما كتبه إلى كبار الكتاب لترويجها بين الناس، حتى إذا طارت شهرته ونبه ذكره، نسب كتبه إلى نفسه.

وصلت شهرته إلى الخليفة المأمون، وكان قد قرأ له كتاب “الإمامة” فأعجب به، فدعاه إليه وطلب منه كتابة رسالة في “العباسية” والاحتجاج لها، ثم كلفه بالعمل في ديوان الرسائل، لكن الجاحظ لم يبق في هذا الديوان غير ثلاثة أيام. إذ لم يكن بمقدوره الخضوع لوظائف الدولة أو تكلّف الرصانة، ولا الوقوف أمام الحساد الذين وجدوا في بقائه بينهم تهديدا لمناصبهم. فغادر الوظيفة مفضلا العيش حرا طليقا يكتب كما يشاء، وينقد كما يشاء، ويسخر ممن يشاء. ثم اتصل بابن الزيات ومحمد بن عبدالملك الذي كان وزير الخليفة المعتصم، ومن بعده الواثق، فقربه منه، فكتب له الجاحظ كتاب “الحيوان” فأجازه بخمسة آلاف دينار.

 

أخذ الجاحظ علم اللغة العربية وآدابها على أبي عبيدة، مؤلف كتاب نقائض جرير والفرزدق، والأصمعي الراوي المشهور صاحب الأصمعيات، وعن أبي زيد الأنصاري، ودرس النحو على الأخفش.

 

وهذا سر فرادة أسلوبه، الذي اعتمد فيه التداخل، ما أن يتناول موضوعا حتى يتركه ليتناول موضوعا آخر غيره، ثم يعود للموضوع الأول، وقد يتركه ثانية قبل أن يستوفيه وينتقل إلى موضوع جديد.. وهكذا.

 

وكان إلى جانب ذلك متحدثا فذا، وناقدا لاذعا، وصاحب نكتة حية، “حديثه لطيف، وأدبه رفيع” وهو أيضا عالم فيلسوف، واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه، وكثيرا ما نجد في كتبه مزيجا من الجد والهزل. حاول الكثيرون تقليده، فلم يوفقوا، فكان أسلوبه من النوع الذي يوصف بالسهل الممتنع.

 

ما من أحد اجتمعت لديه صفات الأديب وصفات العالم كما اجتمعت عند الجاحظ، ليصبغ على أبحاثه صبغة أدبية جمالية، تضفي على المعارف العلمية التي يقدمها لنا “رواء من الحسن والظرافة، وهذه ميزة قل نظيرها في التراث الإنساني”.

 

وكان مطّلعا، إضافة إلى الثقافة العربية، على ثقافات أجنبية كالفارسية واليونانية والهندية، عن طريق قراءة أعمال مترجمة، أو مناقشة المترجمين أنفسهم، كحنين بن إسحق وسلمويه. ويقال إنه كان يجيد اللغة الفارسية، وهو الذي دون في كتابه، المحاسن والأضداد، ويستشهد على ذلك بنصوص ضمّنها كتبا له باللغة الفارسية.

 

كان دميما قبيحا. تميز بنتوء واضح في حدقتيه، فلقب بالحدقي، ولكن اللقب الذي التصق به أكثر وبه صارت شهرته في الآفاق هو الجاحظ، لجحوظ في عينيه فسّره كثيرون بكثرة القراءة.

 

طالت حياته ليبلغ التسعين عاما، تاركا وراءه كتبا يصعب حصرها، وإن كان البيان والتبيين، وكتاب الحيوان، والبخلاء، أشهر هذه الكتب. كتب في علم الكلام والأدب والسياسة والتاريخ والأخلاق والنبات والحيوان والصناعة والتجارة التي خصها بكتاب “التبصير بالتجارة”، قد يكون أول مؤلف بالتجارة والاقتصاد، وهو مرجع للشاري والبائع.

 

البقاء للأقوى

يعرض الجاحظ في كتاب الحيوان معلومات موسعة عن 350 نوعا من أنواع الحيوانات. وتبدو الأفكار التي طرحها للقارئ المطلع على نظرية داروين حول النشوء والارتقاء، متطابقة إلى حد التماثل. فهو يقول إن الحيوانات “تتصارع بحثا عن البقاء والموارد وفرص للتكاثر، وحتى لا تقع فريسة لحيوانات أخرى”، ويرى أن عوامل بيئية تساعد الكائنات على تطوير سمات جديدة لضمان البقاء، وبهذا تتحول إلى أنواع أخرى.

 

بل يذهب أبعد من ذلك، ليرى أن الحيوانات التي تنجح في البقاء، تنقل صفاتها وسماتها إلى ذريتها. وهذا هو الشق الثاني في نظرية داروين، التي تختصرها عبارة “البقاء للأقوى” أو الأصلح.

 

الكائنات الحية، حسب الجاحظ، في صراع مستمر للبقاء، حيث الأقوى فقط هو من يسيطر في النهاية وينتشر. إنها عملية “انتخاب طبيعي” مستمرة، البقاء فيها مضمون فقط للأنواع التي تمتلك سمات تساعدها على التنافس والعثور على الطعام، وتجنب الوقوع فريسة لحيوان آخر، ضامنة بذلك تكاثرها.

 

عملية التأقلم مع المحيط والبيئة، تحدث في الأحياء تغيرات تنتقل من جيل إلى آخر، هذه التغيرات التي بقيت لغزا بالنسبة للجاحظ، ظلت أيضا لغزا بالنسبة لداروين، ولم تحل إلا بعد الاكتشافات التي حدثت لاحقا في علم الوراثة، وفسرت آلية حدوث الطفرات.

 

لم يبق تأثير كتاب الحيوان للجاحظ مقتصرا على المهتمين بعلم الأحياء، بل كان له تأثير على علماء ومفكرين من أمثال الفارابي والبيروني وابن خلدون.

 

فالكتاب، إلى جانب كونه أول عمل جامع وضع في العربية في علم الحيوان، يعتبر صورة بارزة لثقافة العصر العباسي المتشعبة الأطراف. احتوى على المعارف الطبيعية والمسائل الفقهية. وتحدث فيه عن سياسة الأقوام. كما تكلم عن سائر الطوائف الدينية. وعرض الكثير من المسائل الجغرافية، وخصائص كثير من البلدان. وأورد أبيات مختارة من الشعر العربي النادر، بالإضافة إلى الأمثال السائرة والنوادر الطريفة. وفي عام 1930، تحدث المفكر الباكستاني محمد إقبال عن أهمية الجاحظ، وتأثيره على من جاء من فلاسفة ومفكرين من بعده، ومن ضمنهم إقبال نفسه، في سلسلة من المحاضرات، وكتب يقول “الجاحظ هو من فسر التغيير الذي يحدث لحياة الحيوان بسبب الهجرة وتغيير البيئة”.
 

*المصدر: العرب.

مقالات ذات صلة

No article found