كورونا والتحديات الجوهرية

img

*زهور كرام

فجأة، وجد العالم نفسه أمام وباء اقتحم الشعوب في غفلة عنها. حلت كورونا فارتبكت الدول خاصة تلك التي ما تزال تضع بينها وبين البحث العلمي مسافة كبيرة، وما تزال تقف عند عتبة انتظار الحلول المقبلة من وراء البحار والمحيطات، فيما ترمي بأدمغتها خارج الأوطان، بدون خجلٍ. لأول مرة تحضر آسيا/الصين في الإعلام والخطابات السياسية، بوصفها مصدر الوباء، وأوروبا/إيطاليا محطة الانتشار السحيق للفيروس وتغيب ـ إلى حد ما- افريقيا، القارة السمراء التي استنزف الاستعمار بشتى أشكاله مواردها الطبيعية، وتركها عرضة للمجاعة والأمراض والنزوح اللإنساني. هل بسبب نعمة الشمس الحارقة في افريقيا، المُدمرة للفيروس؟ أم لأسباب سياسية اقتصادية، يتم تداولها في الفضائيات والسوشيال ميديا، بوصفها مُؤامرة سياسية اقتصادية؟ أم لأن انعدام الثقة في التدبير السياسي العالمي، والجري وراء تغيير خريطة العالم، تبعا للبحث عن الموارد الجديدة، جعل الحدث، وإن كان حقيقة ثابتة، تُلاحقه علامات الاستفهام فتُشوش على حقيقته ووضعيته.
بعيدا عن كل الاحتمالات في التأويلات التي يفرضها الواقع السياسي العالمي اليوم، فإن الشعوب تُواجه حقيقة فيروس كورونا، الذي ينتشر بسرعة، ويُدمر الحياة الطبيعية للإنسان، ويضع شروطا للتواصل، ويفرض قانونا جديدا للحياة من أجل تفاديه، وفي الوقت ذاته، يحصد أرواحا. غير أن كل حدث، وإن جاء هذه المرة عبارة عن وباء، فإنه يضع السياسات والدول وكذا المجتمعات أمام تحديات، وتتعمق هذه التحديات مع الوضعية العربية، ولعل من بين هذه التحديات، نختار ثلاثة لأهميتها: التحدي الأول هو وضعية البحث العلمي ومدى خدمته للإنسان.
بمجرد ظهور الفيروس، دخلت الدول الغربية إلى مراكز بحثها ومختبراتها الطبية، للبحث عن لقاح ضد كورونا، بل دخلت بعض الدول في تنافس علمي حول اللقاح، كما كشفت عن ذلك تقارير طبية ألمانية عن التنافس الألماني – الأمريكي في هذا اللقاح، في حين وقفت دول مثل دولنا في باب الانتظار، بل يصرح بعض مسؤوليها بدون جرعة خجلٍ عن انتظار اللقاح، وقد يكون من بين الكفاءات الصانعة للقاح المُنتظر، أدمغة عربية، اضطررت للهجرة عندما لسعتها نار الانتظار أمام مكاتب الإدارة، فقررت الهجرة، أو بتعبير أكثر دقة النزوح. وهنا نطرح سؤالا: ما جدوى ميزانية البحث العلمي، إذا لم تكن هناك ثقة سياسية في الباحثين؟ وما جدوى المختبرات الجامعية، إذا لم تكن تحضر في المقاربة السياسية، باعتبارها قوة اقتراحية ومشغلا حقيقيا للتطور وتجويد الخدمات للمجتمع وأفراده؟ وما الجدوى من الحديث عن الإصلاح في التعليم والبحث العلمي، إذا لم تكن هناك ثقة في منجزات البحث العلمي؟ أين هي مراكز البحث؟ أين هي الأدمغة العربية التي تعيش حالة «الغابر الظاهر» على حد تعبير عنوان المجموعة القصصية (1987) للقاص المغربي أحمد بوزفور، أدمغة تنطفئ في بلدانها، وتشع ضوءا مدهشا في الغرب.
 

من أجل الاحتراز، سلكت كثير من الدول العربية إجراء وقائيا، لتخفيف التجمعات وهو توقيف الدراسة، فكانت أمام الصدمة الكبرى. سهلٌ أن تقرر توقيف الدراسة، لكن صعبٌ أن تُؤمن الدراسة مع هذا الإجراء. وهنا بدأنا نسمع بالتعليم عن بعد. نطرح سؤالا: أين كانت سياسية التعليم من التعليم عن بعد؟ لماذا لم يتم تكوين الأساتذة في هذا التعليم؟ ولماذا لا يتم الاهتمام بمسؤولية بالأنظمة الجديدة للتعليم من خلال التكنولوجيا؟ هل ستستطيع هذه الدول تحقيق هذا التعليم بطريقة اعتباطية؟ ألا يعني هذا أننا نعيش في ثورة رقمية بدون أن ننتمي إليها؟ إذا كانت الثورة الرقمية الرابعة الحالية تتميز بالذكاء الاصطناعي فكيف لا يتم استثمار هذا الذكاء في التدبير التربوي والتعليمي والطبي والإداري؟ أم أننا سنظل على عتبة الانتظار، حتى يحدث الحدث، بعدها نبدأ نفكر في تجاوز العتبة بطلب المساعدة؟ هل تستطيع هذه الدول تأمين تعليم عن بعد بدون تكوين سابق، وبرامج مسطرة؟ وهل كونت التلاميذ والطلبة بهذا التعليم وقبلهم الأساتذة؟ فأي إصلاحٍ في التعليم، يستوجب أساسا الاهتمام بعقلية أولئك الذين يطبقونه، على حد تعبير المهدي المنجرة.
التحدي الثاني يتعلق بثقافة الرعب. وهنا، أستحضر فكر عالم المستقبليات المغربي الراحل المهدي المنجرة، الذي توقَع حكم العالم بالرعب. اعتبر البعض جملة «الكثير سيخسرون أحبابهم قبل وقتهم» التي وردت في خطاب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى الشعب، صدمة إعلامية لأخذ الحيطة، والتعامل بيقظة مع الوباء، وقد يكون الأمر كذلك، لكنها جملة تُؤسس لثقافة الرعب في المقبل. أما الشعوب العربية فقد دخلت في رعبٍ كبير، نتج عن فجائية الوباء من جهة، وغياب الوضوح السياسي مع عدم الثقة في السياسيين من جهة أخرى. عندما يُهيمن الرعب، ينجح الوباء ـ كيفما كان – في الانتصار، لأن العقل يتوقف، والتحليل يتعثر، وضوء الحقيقة يخفت. والدليل على ذلك، بمجرد إعلان بعض الحكومات العربية توقيف الدراسة حتى أُفرغت الأسواق والمحلات من المواد الغذائية. وهي ظاهرة تُعبر عن هذه الازدواجية الحاصلة لدى الشعوب بين الرعب من الفيروس، وفي الوقت نفسه التواجد دفعة واحدة، وبأعداد كبيرة في المساحات نفسها، وضعف حس المسؤولية بالوقاية، من خلال الابتعاد عن التجمعات. فهل هو تحد للوعي الاجتماعي الجماعي؟ أم هو تعبير عن عدم الشعور بالمسؤولية الجماعية؟ أم إعلان صريح عن تفشي الأنانية؟ أم أن الوعي الصحي ما يزال ضعيفا؟ هناك خللٌ ما في الممارسة الاجتماعية.
التحدي الثالث وهو المرتبط بعلاقتنا بالمعلومة. منذ اندلاع الفيروس وهجمة شرسة من المعلومات يتلقاها الفرد عبر وسائط وتطبيقات التكنولوجيا، ويُعيد تقاسمها بكل ثقة، كأنه مرجعها ومنتجها. تشتغل هذه الهجمة نفسها في دعم ثقافة الرعب، لأن التحليل المطلوب في مثل هذا الوضع يحتاج إلى مسافة، ومتخصصين، ومسؤولين عن نقاء المعلومة من كل شائبة قد تجر بها إلى الهاوية. وهو وضعٌ يُعيد إلى الواجهة سؤال علاقتنا بالتكنولوجيا، وهل تخدمنا أم نخدمها؟ وهل نستخدمها أداةً، أو تحولنا إلى أدوات؟ وهل نحن على وعي بما نتلقاه من معلومات، ونتقاسمه بدون التريث في تأمل حقيقته؟ وهل التقاسم هو مجرد إعادة نقل بدون تشغيل عقلنا، والتأكد من مرجع المعلومة ووضعيتها؟ ألا يحدث هذا بسبب التأخر في التربية على الثقافة التكنولوجية؟ ألا يحتاج الأمر إلى سرعة هندسة انخراط المجتمع في ثقافة التكنولوجيا؟ إن كل تأخر مسؤول علميا وذهنيا وثقافيا في هذا الانخراط، هو غيابٌ صارخٌ في المستقبل.
أمام هجمة المعلومات الملتبسة، تضيع المعلومة المُنقذِة، فتزداد مخاطر الفيروس، وترتفع درجة الرعب، ولعل الأمر له علاقة بالإعلام الذي يضعه هذا الفيروس أمام تحدي المسؤولية المهنية، من خلال التأطير الاجتماعي للأفراد ببث الوعي بثقافة الوقاية، عبر متخصصين طبيين، يشرحون الوباء بلغة تصل إلى الكل، وليسوا متكلمين خارج التخصص، يجتهدون لخلق الإثارة، وربح عدد من علامات الإعجاب.
الوقت لم يعد للمزايدات، والمسؤولية مشتركة، والمواجهة تقتضي روحا جماعية، تبدأ من حسن وقاية ذاتك، لتنعكس بشكل مباشر على الآخر. ولعل في ذلك حكمة فلسفية، تجعل من الوجود الإنساني وجودا مشتركا، وتُعيد للواجهة قيما بدأنا نرى تلاشيها أمام انتشار أفكار الأنانية، وتجاوز المُشترك الإنساني، مثل قيم التضامن والإخاء والمحبة والسلام الحقيقي واحترام ضعف الناس.
إذا كان فيروس كورونا يضع الكل أمام تحديات سياسية وثقافية وعلمية، فإنه يضعنا كدول ومجتمعات عربية أمام سؤال الرؤية التي بإمكانها السير بنا إلى المستقبل بأمان. فالمستقبل مثل الطبيعة لا يقبل الفراغ.
_______
*المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

No article found