يوميات الوباء: خلف النافذة عالَمٌ يتيم

img

*مصطفى قصقصي 

فجر: أفتحُ عينيَّ لأُباغِت الفجر يُحدّق فيهما بآخر ما فيه من عتمة بريئة، كزهرةٍ تَعتذر عن عنف عذوبتها الآفلة. يُوقظني صياح الديك الذي اتّخذ شجرةَ الليمون في الحديقة منبراً لخطبته الإيروسيّة العصماء التي يستدرج بها الكون إلى مكائد رغبته، وإلى شمسِ وحدته التي لم تشرق بعد. صياح مجّاني ينزّ شبقاً بدائيّاً مزخرفاً لحياة معتكفة تماماً في نفسها وفي لحظتها الأبديّة. أتخيَّلُ الليمون ضاحكاً في الماء الفاتر الذي سأشربه بعد قليل. أمدُّ يداً في العتمة لأتأكّد من قدرتها على نسيان ما اعتراها أمس من هلع وهي تتلمّس طريقَها إلى الكتابة. أنهض بتثاقل متعثّراً بأشباحي دون كلمات أتكّئ عليها، ودون حروف أبلعها وأتغرغر بها لتخفيف خشونة الصمت في الحلق. وفي القلب. أبذل جهداً خارقاً لكي أتجنّب قراءة الأخبار. سأقرأ قليلاً من رواية كواباتا "العاصمة القديمة" لكي أشحن رئتيّ بالأزهار، وبرقّة الربيع التي لا تُحتَمَل.


عملٌ حيويّ: صباحاً، في الطريق النظيفة من السيارات ومن صوت الراديو، من شفاعمرو إلى الناصرة، مروراً بصفورية المهجّرة، أفكّر، كما لا يمكنني أن لا أفعل دوماً في محاذاة البساتين، بمن هُجّروا ولم يتوقّفوا عن العودة. تحملني موسيقى أنور إبراهيم. مقامات جاز زرقاء مترعة بالحزن. لولا الموسيقى لكنّا لاجئين أكثر ولفقدنا نهائياً حقّ العودة إلى أنفسنا بعد كلّ هذا المنفى. على جانبَي الشارع جرّافات حديثة وعملاقة تمزّق الصخور وتحفر الأعالي دون أيّ ألم سيزيفي يُذْكَر. تُذَكّرُني الجرّافات بكاسحات الجليد الجبّارة التي تشقّ لنا أنهاراً غامضة ودافئة في قارّة الوجود النائية المغطّاة بثلوج سميكة، إلّا أني لا أذكر علامتها التجاريّة: الأمل؟ اليأس؟ الحب؟


مَشْفى: في المشفى حيث أعمل أضع كمّامة خضراء. أعقّم الهواء ولائحة المفاتيح والشاشات. والخوف. والحنين. والذكريات. ليس كلّ ما يلمع فرحاً. أطلّ من الشباك على سروة تتنفّس زرقتها اليوميّة بحرية لا اقتصاد فيها ولا مشاعر ذنب. أغبط غيمةً ليلكيةً ترتدي قناع شجرة، وتمشي بعيداً عن المبنى الحجريّ، دون قفّازات. أهمس في أذنها الخضراء العالية: لن أخبر أحداً. أبتسم في سرّي وقد قبضت على خيالي متلبّساً بهذيان شعريّ في هذا المكان الحدوديّ الملتبس. خلف النافذة عالَمٌ يتيم، لا أحد يهدهده، أو يهدّئ من روعه، أو يعطيه الحلوى، عالَمٌ دون أمّ. السيدة التي أمامي والتي جرَحها بردٌ قديم تقول: أمّي لم تحبّني يوماً. يصف لي أحد المتعالجين النفسيّين كيف غرقت حياته في شربة ماء، أو في نوبة إغماء، لا يهمّ، وكيف اشتبهت عليه الأسماء، أسماؤه، في الطريق الترابية المغبرّة إلى ذاته. لا يذكر جيّداً. لكن يؤلمُه ما لا يَذْكُر.


هاتف: هاتف من صديقة تبحث عن الضوء في الرقص، ويبهرها أن تجده دائماً منغمساً في حركة جنينية تنتظر الولادة: من أنا دون رقص؟ دون طيران خارج جاذبية الأزمنة كلّها؟
نتحدّث عن الجسد البيت وعن البيت الجسد. ماذا سيحدث لفكرة البيت التي أدمنّا عليها؟ هل ستنتقم منّا الجدران؟ هل ستنقذنا الشرفات؟ هل ستهجرنا البيوت؟


إيطاليا: جمالٌ جاثٍ على ركبتيه. التوابيت الوحيدة في الكنيسة (هل تشعر التوابيت بالوحدة؟)، الغناء على الشرفات، مارشات عسكريّة للفقدان، أناشيد شعبيّة للحياة، Bella Ciao وداعُ مقاوِم لحيوات كثيرة: لحيوات كانت، لحيوات لم تكن، ولأخرى لن تكون. بلاد ذاهلة أمام الإنسان المنسيّ في الأرقام. بلاد سهِرت دون أن تدري على تربيتي العاطفيّة تستيقظ هذا الصباح، وتمضي كعادتها كلّ صباح، تخطف الحياة من سجن أعمالها اليوميّة المملّة ثمّ تعيدها عميقةً وأنيقةً إلى بيتها: الجمال.

لوحة: "المحنة"، أو "البلاء". بييترو لونغو الإيطاليّ الساردينيّ يحبس الوباء في برزخٍ لولبيّ، يحاكمه ويُحكِم عليه ريشتَه. أيدٍ غارقة تجسّ نبض اللون وتضخّ الدم والحلم في جسده النضِر بضربات دائريّة متتابعة. لون فائر وزاخر بالحواس ونقائضها، بالبدايات والنهايات، بالصراخ وبالصمت، بالهواجس وبالأنفاس. إعصار أحمر وانتظار أحمر ينبجسان من صدفة فارغة. سيرة موجزة للغليان. مصائر مفترسة فاغرة فاها، تنشب أسنانها في اللحم الحيّ للذات المتلعثمة، لكن الحياة، على حالها، عارية ودامية، لا يزيدها النزيف إلّا قوّةً وبلاغةً. وإلغازاً.


أسئلة: هل أنجو بجلدي أم بمخيّلتي؟ أم أنَّ الأمر سيّان؟ هل أتمترس كآخر سلالة الموهيكيّين في غابة روحي، أم أخرج إلى هذا الليل شاهراً سيف أرقي؟


هل هو الفردوس المفقود: "دون رغبة، ودون ذاكرة، ودون معرفة"؟

أين الآخرون؟


ليل: ...
*المصدر: العربي الجديد.

 

مقالات ذات صلة

No article found