المعارك الأدبية… خليك بالبيت

img

*إبراهيم عبد المجيد 

 

هل لدينا معارك ثقافية في مصر؟ الإجابة لا.. هل لدينا معارك أدبية؟ الإجابة لا مُضاعفة. المعارك الثقافية تظهر وترتفع راياتها من أجل النهضة. يوما ما كانت معاركنا الثقافية مع التراث، وضرورة تجديده، وحمل عاتق المعركة مفكرون منذ رفاعة الطهطاوي مرورا بطه حسين وأحمد أمين وسلامة موسى، ووصلوا إلى زكي نجيب محمود وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد وغيرهم.
يوما كانت كانت لدينا معارك ثقافية مع الغائب في الحديث عن الثقافة، وهو الجانب المادي للثقافة من بناء وشوارع وحدائق، وكانت أوروبا هي الحلم والهدف، فتم بناء القاهرة الخديوية في عصر إسماعيل، وتم تصميم مباني وشوارع مثل، شارعي محمد على وكلوت بك على غرار شارع الريفولي في فرنسا. تبدّل كل شيء في الخمسين سنة الماضية، وصارت المباني فاقدة الهوية وعشوائيات، حتى في الأماكن الجديدة، بمعنى ارتفاعات لا تتناسب مع عرض الشوارع فصارت عمارات ترتفع لعشرين طابقا في شارع عرضه ستة أمتار، بينما كان قانون البناء منذ القرن التاسع عشر أن لا يزيد ارتفاع المبنى عن مرة ونصف من عرض الشارع، ليفوز السكان بالشمس والهواء، وحتى لا تتحول الأحياء إلى أوكار للعصابات وعشوائية السلوك.
أما الحدائق فحدّث ولا حرج عن موجة بناء الكباري، وقطع الأشجار والتخلص من الحدائق الصغيرة بين الأحياء. باختصار حدث هجوم جبار على الجانب المادي من الثقافة، فصارت العشوائيات ليست مجرد أماكن فقيرة، بل أماكن للطبقة الوسطى والطبقة الغنية، بما جرى في نظام المباني ومخالفاته.
سأبتعد عن الثقافة المادية فالحديث ذو شجون، وأتحدث عن الحياة الأدبية خاصة، رغم ما جعلته كورونا عالقا أمامي من أنه لم يكن هناك جدوى لأي شيء. سأعزل فكري عن شعوري وأقول يوما ما كانت هناك معركة حول اللغة.. هل نستخدم العامية المصرية أم العربية الفصحى؟ انتهت لصالح اللغة العربية، تقديرا ليس للغة لكن لمعنى الصدق الفني، فيمكن للمؤلف السارد أن يتحدث بالعربية الفصحى في الوقت الذي يمكن لشخوصه أن تتحدث بالعامية، إذا اتسقت مع ثقافتها ووضعها الاجتماعي في الرواية، ورغم أن البعض مثل توفيق الحكيم تحدث عن لغة ثالثة تمزج بين الاثنين، إلا أن الأمر انتهي إلى أنه الصدق الفني وراء لغة شخوص الرواية أو المسرحية أو الفيلم السينمائي. يوما ما في الخمسينيات اشتعلت معركة حول الفن للفن؟ أم الفن للمجتمع؟ انتهت أيضا إلى أن الهدف المسبق للكتابة يدخل بها إلى المباشرة ومسألة أن ينتصر الفقير أو العامل أو الفلاح على من هو في طبقة أعلي مكانها السياسة، أما الفن فالمهم بناء الشخصية ويمكن للصوص أن يكونوا شخصيات فنية مثل غيرهم.
في عز تلك المعركة التي قادها محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس الماركسيان، نشر يوسف إدريس قصصه ضاربا عرض الحائط بأي هدف مباشر، وأخذ المشهد من كل من مشى وراء شعار الفن للمجتمع من الكتاب. لاحظ أن محمود أمين العالم نفسه، في ما بعد، كتب كتابا من أهم ما كتب عن نجيب محفوظ وهو «تأملات في عالم نجيب محفوظ»، تحدث فيه كثيرا عن البناء والشكل الفني عند نجيب محفوظ وأثره في المعنى للموضوع، ويظل هذا الكتاب في رأيي من أهم ما كتب في النقد الأدبي المصري. كاتب ماركسي يتوقف بعظمة عند البناء الفني وأثره في الموضوع وفي وقت مبكر. ظهرت معركة أخرى مع جيل الستينيات حول الكتابة، كانت لها أجنّة سابقة في أعمال محمد حافظ رجب، وقبله أعمال يوسف إدريس، ويوسف الشاروني محورها الإيجاز والبعد عن المباشرة والخلاصات الفكرية ـ تغريدات زماننا الآن ـ والاهتمام بالصورة، ونُسبت لهم التجديدات، رغم وجود الأجنّة التي أشرت إليها، لكنها كانت مهمة في نقل القصة القصيرة إلى آفاق إنسانية أرحب.

على جبهة الشعر حدثت معارك مهمة حول الشعر الجديد منذ مدرسة الديوان في العشرينيات من القرن الماضي، واستهداف وحدة القصيدة لا وحدة البيت الشعري، كما ظهرت المدرسة الرومانتيكية في الثلاثينيات، وفي الأربعينيات بدأت معركة الشعر الحر مع الشعر التقليدي، والتخلص من القافية وما تفرضه من نهايات مفتعلة أحيانا، وبدأ الشعر الحر، وأصاب أصحابه من السياسة أكثر من الشعر، فاعتبره الكلاسيكيون هجمة استعمارية على الشعر واللغة، لكن الشعر الحر انتصر. ظهر جيل السبعينيات في الشعر، وبشروا مع الشعر الحر والتخلص من الشفاهية المعتادة حتي في الشعر الحر، وكذلك بقصيدة النثر التي لم يعرفها الشعر العربي إلا نادرا، في محاولات لم تنتشر، وأصابهم ما أصاب أصحاب الشعر الحر من حديث سياسي باتهامهم بأنهم أعداء القومية العربية، وما إلى ذلك من كلام فارغ.
استقر الأمر منذ السبعينيات ولم نعد نسمع عن معارك أدبية وانتقلنا، ويا للهول على طريقة يوسف وهبي، إلى معارك أخرى ترتفع فيها رايات الإدانة بلا دليل أدبي عيني تراه أمامك. تقرأ انتقاد بعض الكتاب الشباب ـ قليلون بالمناسبة – للأجيال السابقة، وأحكام بالجملة عليهم باعتبارهم سورا أمامهم، لكن لا حديث عن الأدب ولا إدراك بأن الأجيال الأقدم قد ماتت وتركت الدنيا، ومن تبقى منهم لا يكتبون، وتقريبا لا يكتب منهم غير واحد أو اثنين أو يكتبون سيرهم.. أي أنهم ليسوا سورا ولا غيره. لقد جعلوني أتوقف عن الإشادة بأي رواية مصرية جديدة لواحد منهم، لأنني حين أفعل ذلك يلومني البعض بسؤال «اشمعني فلان» وفي المقاهي يدور الحديث عن العلاقة بيننا، رغم أنني لم أعد منذ سنوات على علاقة بأحد، وصار البيت مخدعي وحياتي. ورغم أن الزمن متسع، وليس مثل زماننا، فهناك عشرات من المواقع التي تنشر الأدب وأصبح العالم العربي كله مفتوحا أمام الجميع، إلا أن مساحة الرضا قليلة تجدها عند الأكثر موهبة. بين ذلك بدأ تسليع الأدب، الأدب سلعة بعد خروجه إلى النور، لكنه صار سلعة منذ وقت مبكر، فهناك من ينشر على صفحة خاصة رواية جديدة، فصلا من الرواية ويطلب رأيا من القراء ليقوم بالتغيير، بينما الإبداع معبد لا يجب أن يدخله أحد إلا بعد خروج العمل كاملا إلى النور. وظهرت صفحات عن كيف تكتب رواية في أسبوع وتنشرها، وغير ذلك من البلاهة.
ما أكثر ما ناديت النقاد لدراسة الأشكال الفنية في كتابات الشباب، أو الأجيال الجديدة ربما نصل منها إلى طرق كتابة جديدة ـ راجع مقالي الأسبق هنا عن كتاب «النص المعنف» لعبد الدائم السلامي وراجع الكتاب نفسه فهو من أفضل ما قرأت في الموضوع ـ الكتّاب لا يفعلون ذلك، بل يتجمع بعضهم فقط عند الهجوم على ما قبلهم بكلام عام، ولا ينتبهون إلى أن افتقاد هذه الدراسات يجعل المرجعية هي المدارس الأدبية في الخارج، كأنهم لا يكتبون، رغم أن بينها كتابات رائعة لن اتوقف عندها حتي لا يلومني، سرا أو علنا، هواة اللوم أو العتاب. أكثر ما تقرأه من نقد عن الأدب الجديد، أنه كسر التابوهات واحتفى بالعشوائيات وأهلها، وتضحك لأن كل ذلك موجود بكثافة قبلهم. أتمنى حديثا عن البنية الفنية المختلفة افتقده، وهذا سر تطور الأدب. إنهم حتى لا يجتمعون على بيان بكتاباتهم الجديدة وملامحها، كما حدث في كل المعارك السابقة، قد يفتح الطريق لمعركة أدبية حقيقية. يبدو أنهم من قبل كورونا رافعين شعار «خليك بالبيت» لات خرج منه إلا لتتحدث عن الأسوار، رغم أنه لا يوجد أحد. ومن يدري ربما يشعر البعض أنه هو العالم فلا داعي للاجتماع مع غيره والله أعلم.

*المصدر: القدس العربي.
 

مقالات ذات صلة

No article found