الحكاية بروتوكولاً سردياً

img

*نادية هنداوي

ليس هَجْرُ التّحبيك في بناء النص الروائي سوى مناورة سردية باتجاه استعادة البنية الحكائية، والقصد من وراء ذلك تقديم توليفة مبتدعة جديدة يتوحد فيها المتخيل السردي بالوقائعي، لصنع صورة ما بعد حداثية لسرديات يمكن أن نصفها بـ(سرديات الاستعادة) تبغي توجيه الجنس السردي نحو الحكاية، مدخلةً إياها عنوةً أو يسراً في بنيته، تعبيراً عن أزمة بلغتها رواية ما بعد الحداثة.
والسؤال هنا أليست الحكاية نمطًا عفا عليه الزمن؟ واشتغالًا لا ينطوي على احتراف، كونه لا يواكب ما بلغه الحبك من غايات خطابية، تستفز القارئ وتدفعه إلى الاندماج في صلب البناء السردي متلقيًا ضمنيًا كان أم حقيقيًا؟
لا خلاف أنَّ التحبيك في أي عمل روائي هو عنصر فاعل في الارتقاء بالقصّ من الاتباع إلى التسبيب، ومن سرد حكاية تاريخية إلى سرد قصة متخيلة، من منطلق نظري يرى أنَّ السرد ليس هو القص. وإذا كان القص متلفظاً خيالياً يُنتج حكياً، فإنّ السرد فعل واقعي ينتج خطاباً. ولا شك أنّ التمثيل على الأول موجود في مرويات السرد القديم، أما التمثيل على الثاني فموجود في السرديات الحداثية والمعاصرة. وكان جيرار جينيت قد ميّز بين قصة/ حكاية، حيث الحكاية هي خطاب يتلقى شفاهيًا، وقصة/ حبكة حيث القصة هي ترتيب الأحداث المسرودة منطقياً. وإذا كان هناك تعارض شكلاني بين القصة والحبكة؛ فإن التعارض بين القصة والحكاية عديم المعنى، ما لم يتحقق بالدمج بين الثلاثة (القصة/ الحكاية/ السرد) وفي هذا الدمج يُدخل النص المتخيل المحض في النص التاريخي، فتغدو الحكاية داخلة في السرد، على أساس أنّ المشكلة ليست في تحبيك الزمن؛ وإنما في الجهة التي تنطق بالحكي، التي هي في الأصل ليست متخيلًا محضًا، بل هي تاريخ متحقق. وبهذا التصور الاستعادي للحكاية عند جينيت، يصبح ما كان مندرجًا في الحكاية بوصفه متخيلاتٍ لفظية لتاريخ واقعي، هو النص بعينه، وقد تضمن داخله نصين: نص السارد ونص الشخصية أو الشخصيات. وهو ما أراده جيرار جينيت لسرد ما بعد الحداثة، أي أن يكون السرد مستعدًا لاستعادة الحكاية في بنائه النصي. واستعادة الحكاية تعني إعادة التمثيل، إزاء البحث عن صورة للماضي، هي غير تلك التي تدلنا عليها الوثائق والبيانات والمستندات.
وقد أكد آر جي كولينجوود ـ حسب ما ينقل عنه جيم مردوخ، أنّ الحبك لم يعد في عصرنا هذا قادرًا على تعليل الزمن التاريخي، لأنّ التاريخ ليس الماضي بمظهر «خارجي» قابل للملاحظة، بل هناك ما هو «داخلي» لا يمكن وصفه إلا بالمتخيل التاريخي، أي التفكر في محكي الأحداث الماضية، والتيقن من أنّ جزءاً من الحدث التاريخي يمكن إدراكه باستخدام حواسنا. والاستعادة الحكائية ترد عند جيرار جينيت باصطلاح آخر هو(السرد مثلي «تشبيهي» الحكاية) وفيه يكون ضمير أنا المتكلم تمييزياً، لأنه يجعل التبئير واقعاً على السارد، بما يجعل نص السارد هو نفسه نصُّ الشخصية، بعكس السرد بضمير الغائب، الذي هو غيريّ القصة، لأنّ فيه يتنافر صوت الشخصية مع صوت السارد، وعندها يقع التبئير على الحدث المسرود، متحولاً به من الحكي إلى القص. وهذا التعاقد على إعادة صياغة الخيالي في شكل واقعي هو تحويل للشــــفهي إلى مكتوب، فتكون الحكاية حكاية أفكار، والرواية رواية بحث كسيرة ذاتية، أو رواية نفسية، وهذه هي أهم تمثيلات السرد مثلي الحكاية، حيث القصة تصنع نفسها بنفسها.

 

وبهذا تكون مثلية الحكاية استعادية بينما غيرية القص تظاهرية وافتراضية، يقول جينيت في كتابه «عودة إلى خطاب الحكاية»: «يفترض في التاريخ والسيرة والسيرة الذاتية أن تعيد إنتاج خطابات ملغاة فعلاً، ويفترض في الملحمة والرواية والخرافة والإقصوصة أن تتظاهر بإعادة إنتاج خطابات مختلقة وبالتالي أن تنتجها في الواقع».
وسنقصر حديثنا هنا على التاريخ الذي فيه المحكي التاريخي نمط من أنماط تمثيل سرديات الاستعادة، إذ السارد مؤرخ أو يريد أن ينتحل صفة المؤرخ، منتزعًا التأرخة منه، مشككًا في مدونات التاريخ، ليخط مدوناته بإبداعه معيدًا إنتاج التاريخ بالاستعانة بالمتخيل الحكائي. وهو ما ينتج رواية التاريخ ومن أمثلتها «اسم الوردة» لأمبرتو أيكو التي فيها يظهر هذا الولع باستعادة المحكي التاريخي حول غموض العالم وخطاياه، وفعل الشر واللاتناهي في الإلوهية. وبالشكل الذي يجعل المتخيل الحكائي قادرًا على تفنيد ما حفظه التاريخ، يقول أيكو: «ولفهم الأحداث التي وجدت نفسي أشارك فيها فهما جيداً، قد يكون من الأفضل أن أذكِّر بما كان يحدث في تلك الفترة من بداية القرن، كما فهمتها آنذاك، وأنا أعيشها، وكما أتذكرها الآن، وقد أضيفت إليها حكايات سمعتها من بعد أن استطاعت ذاكرتي أن تصل بين خيوط تلك الأحداث المتعددة والغامضة جداً». وهو ما فطن له الروائي المصري جمال الغيطاني في رواية التاريخ «الزيني بركات» التي فيها يستعين السارد بالمتخيل الحكائي من أجل مواجهة بصاصي القاهرة، محاولًا بذلك إعادة كتابة تاريخ القاهرة. وهو ما نجده أيضا في رواية «في بلاد النون» للروائي المغربي أحمد المديني، التي فيها يعمل المتخيل الحكائي على جعل السرد مثليًا، يروي نفسه بنفسه، من خلال استعادة توظيف الفعل الحكائي بطريقة تنميطية، تتداخل فيها الحكاية بالسرد، فيغدو الكون القصصي استعادياً لمرويات المقامات والحكايات الشعبية، كإشارة اليغورية إلى ضمور الحداثة السردية أمام كفاءة القدامة السردية، ورسوخها بما يجعلها قابلة للاستمرار الإبداعي في السرد ما بعد الحداثي. ومن خلال تداخل الحكايات يَنتجُ لنا تعدد صيغي فيه حكاية أولى لسارد خارج القصة هو الحكَّاء، والحكاية الأخرى هي نص محاذٍ يؤديه سارد قابع داخل الحكاية ويفكر بالحكاية نفسها. وعلى هذا الحكاء تقع مهمة تحقيق الوهم الحكائي الذي به ينمحي المقام السردي، ليكون الإنسان هو الأسمى ويغدو انتظار الفرج طوباوية مثلى بأنساق تخييلية معينة.
وهو ما راهن عليه أحمد المديني جاعلاً الاستعادة لفن الحكاية بروتوكولاً سردياً، هو في الأساس استراتيجية نصية لا تريد تشييد رؤية للعالم في الوعيين القائم أو الممكن اللذين يحققهما الإيهام السردي، وقد تداخل الواقعــــــي بالتخييـــلي، بل تريد تهديم رؤية العالم أصلًا، وإقامة يوتوبيا عالم آخر بدلها هي (بلاد نون) التي بشّر الحكّاء بها الناس طالبًا منهم الانتــــظار، لا بوصفه سارداً عليماً ولا مشاركاً وإنما بوصفه سارداً منجمـــــاً وعرّافاً متنبئاً. وقد وظَّف الروائي المغربي محمد عزِّ الدين التازي الحكاية أيضا من أجل تحقيق تجليات صوفية، ومناجاة فيها الذات عاشقة، تتمسرب في ذات المعشوق في بناء حلزوني؛ بيد أنّ الذي عمله أحمد المديني هو أنه منح الحكّاء وظيفة جديدة تتجاوز استهلاكية التنويم إلى ثائرية التنوير، والدليل على ذلك مغايرته الموقف الذكوري من تاريخ المرأة بموقف تصالحي، كاشفاً الزيف التاريخي ومحاولاً تصحيحه، وهو بالضبط ما تريده سرديات الاستعادة.


*المصدر: القدس العربي.
 


 

مقالات ذات صلة

No article found